فخر الدين الرازي
193
تفسير الرازي
الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ) * اعلم أن هذا هو النوع الرابع من أعمال الخير والطاعة المذكورة في هذه الآيات وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( وآت ) * خطاب مع من ؟ فيه قولان : القول الأول : أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فأمره الله أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة ، وأوجب عليه أيضاً إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المثالين . والقول الثاني : أنه خطاب للكل والدليل عليه أنه معطوف على قوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * ( الإسراء : 23 ) والمعنى : أنك بعد فراغك من بر الوالدين ، يجب أن تشتغل ببر سائر الأقارب الأقرب فالأقرب ، ثم بإصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل . واعلم أن قوله تعالى : * ( وآت ذا القربى حقه ) * مجمل وليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو ؟ وعند الشافعي رحمه الله أنه لا يجب الانفاق إلا على الولد والوالدين ، وقال قوم : يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم فلا حق لهم إلا الموادة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة في السراء والضراء . أما المسكين وابن السبيل فقد تقدم وصفهما في سورة التوبة في تفسير آية الزكاة . ويجب أن يدفع إلى المسكين ما يفي بقوته وقوت عياله ، وأن يدفع إلى ابن السبيل ما يكفيه من زاده وراحلته إلى أن يبلغ مقصده . ثم قال تعالى : * ( ولا تبذر تبذيراً ) * والتبذير في اللغة إفساد المال وإنفاقه في السرف . قال عثمان بن الأسود : كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه إلى أبي قبيس وقال : لو أن رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين ، ولو أنفق درهماً واحداً في معصية الله كان من المسرفين . وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير ، وعن عبد الله بن عمر قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال : ما هذا السرف يا سعد ؟ فقال : أو في الوضوء سرف ؟ قال : نعم : وإن كنت على نهر جارٍ ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين فقال : * ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) * والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح ، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخاً له ، فيقولون : فلان أخو الكرم والجود ، وأخو السفر إذا كان مواظباً على هذه الأعمال ، وقيل قوله : * ( إخوان